الشوكاني
134
نيل الأوطار
ثم يفعله وهذا هو يمين المعصية قال ابن العربي : القول بأن لغو اليمين هو المعصية باطل ، لأن الحالف على ترك المعصية ينعقد يمينه ويقال له لا تفعل وكفر عن يمينك ، فإن خالف وأقدم على الفعل أثم وبر في يمينه . قال : ومن قال إنها يمين الغضب يرده ما ثبت في الأحاديث يعني المذكورة في الباب . ومن قال دعاء الانسان على نفسه إن فعل أو لم يفعل فاللغو إنما هو في طريق الكفارة وهي تنعقد ، وقد يؤاخذ بها لثبوت النهي عن دعاء الانسان على نفسه . ومن قال إنها اليمين التي تكفر فلا متعلق له ، فإن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو مطلقا فلا إثم فيه ولا كفارة ، فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة وثبوت الكفارة يقتضي وجود المؤاخذة ؟ وقد أخرج ابن أبي عاصم من طريق الزبيدي وابن وهب في جامعه عن يونس وعبد الرزاق في مصنفه عن معمر كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة : لغو اليمين ما كان في المراء والهزل أو المراجعة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب وهذا موقوف . ورواية يونس تقارب الزبيدي ولفظ معمر أنه القوم يتدارؤن يقول أحدهم : لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله ، ولا يقصد الحلف وليس مخالفا للأول . وأخرج ابن وهب عن الثقة عن الزهري بهذا السند هو الذي يحلف على الشئ لا يريد به إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه ، وهذا يوافق القول الثاني لكنه ضعيف من أجل هذا المبهم شاذ لمخالفته من هو أوثق منه وأكثر عددا . ( والحاصل ) في المسألة أن القرآن الكريم قد دل على عدم المؤاخذة في يمين اللغو ، وذلك يعم الاثم والكفارة فلا يجب أيهما ، والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية ، وأهل عصره صلى الله عليه وآله وسلم أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى ، لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ، ومن المشاهدين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والحاضرين في أيام النزول ، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه ، وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ لأنه يمكن أن يكون المعنى نقله إليه شرعيا لا لغويا ، والشرعي مقدم على اللغوي كما تقرر في الأصول ، فكان الحق فيما نحن بصدده هو أن اللغو ما قالته عائشة رضي الله عنها . وفي ( حديث الباب ) تعرض لذكر بعض الكبائر ، والكلام في شأنها طويل الذيول لا يتسع لبسطه إلا مؤلف حافل ، وقد ألف ابن حجر في ذلك مجلدا ضخما